Google+ Followers

"المدونة محمية بميثاق الشرف. أرجو الإشارة الى اسم (غار عشتار) والكاتبة (عشتار العراقية) عند إعادة النشر"

5‏/11‏/2014

الصهيوني الذي اشترى العراق -3 شهادة وليم ماركس -1

غارعشتار
الحلقة السابقة
بقلم: وليم ماركس
ترجمة عشتار العراقية 
(تجري أحداث القصة في 2005 في العراق، يكتبها وليم ماركس وهو طالب بريطاني يسعى ليمتهن الصحافة) وكما وعدتكم في التقديم السابق، نتعرف في هذه الشهادة التي كتبها متدرب من داخل شركة عراقكس في بغداد، على حقيقة وطبيعة عمل هذه الشركة والمقالة اترجمها لكم بعدة اجزاء لطولها واهميتها.
نشرت المقالة بعنوان (كنت متدرب علاقات عامة في العراق) في هاربر بتاريخ 17 ايلول 2006
   في الربيع الماضي وخلال فصلي الدراسي الاخير في جامعة اوكسفورد كتبت ابنة عم لي تعلمني بأنها تخطط للعمل خلال الصيف في شركة امريكية في العراق واقترحت علي أن انضم اليها. كان اسم الشركة عراقكس التي تقول من خلال موقعها على الانترنيت ان لديها (الخبرة في جمع واستخدام المعلومات وعقد الصفقات وتقليل المخاطر من خلال التدبر والستراتيجيات القانونية والأمن) وأشارت ابنة عمي أن الشركة كانت تبحث عن متدربي اعلام للعمل المؤقت في الصيف، سيكون عليهم "التفاعل مع وسائل الاعلام المحلية في بغداد " وتقديم افكار للكتابة" كان العرض يبدو أفضل مما كنت اتخيل.
كان كل املي ان اصبح مراسلا وخاصة مراسلا اجنبيا منذ ان قرأت في سن المراهقة نسخة من كتاب جون سمبسون المعنون (اماكن غريبة أناس مريبون) . في هذه المذكرات روى سمبسون مغامراته العديدة كمراسل لهيئة الاذاعة البريطانية: وهو يتمدد في حفرة في ميدان تيانانمين في الصين عام 1989، وكامرته تدور على وقع اطلاق الرصاص، واعتقاله خلال ثورة رومانيا ، والبث من بغداد في 1991 وقنابل امريكا تتفجر حوله. وبهذا الالهام بدأت اكتب في صحيفة مدرستي الثانوية ثم اصبحت رئيس تحريرها وفي اوكسفورد حين تخصصت في الادب الكلاسيكي انضممت الى القائمين على مجلة اسبوعية تابعة للجامعة (وكان سمبسون قد رأس تحرير دورية في كامبرج) . وفي الوقت الذي وصلتني رسالة ابنة عمي كنت قد قررت ان ابدأ في كلية الصحافة في الخريف ولكني كنت اتشوق الى بعض تجارب جون سمبسون . وفي الواقع ان سمبسون كان قد قضى سنوات يكدح في مكتب لندن لهيئة الاذاعة البريطانية قبل ان يرسل الى الخارج، وها أنا اجد فرصتي ومازلت في الجامعة.
خلال ايام تقدمت باوراق طلب الالتحاق بالتدريب (وفي ذلك الوقت قرر والدا ابنة عمي منع  ابنتهما من الذهاب الى بغداد وكانت شركة عراقكس قد غيرت اسمها الى مجموعة لنكولن) بعد انتظار مضن، طلبني احد موظفي الشركة وكان شابا وقد تخرج لتوه من الكلية وانهى مقابلتنا القصيرة بسؤالي ما اذا كنت استطيع التركيز على العمل "واطلاقات الهاون تنهال على الطرف الاخر من الشارع" وقد كنت صادقا معه حول امكانياتي. لقد سبق لي زيارة الشرق الاوسط في اجازات صيفية مرة الى مصر ومرة الى سوريا قبل عدة سنوات، كنت قد قطعت الطريق مع اصدقائي من جنيف الى دمشق ركوبا على دراجات هوائية وفي الجامعة تحملت ضغوط ترجمة شيشرون وبوليبيوس ولكني اعترفت له بأني لا استطيع ان اؤكد له عما يكون شعوري مع اطلاقات الهاون. ويبدو ان الاجابة ارضته.
ثم سرعان ما استلمت نداءات هاتفية من مؤسسي مجموعة لنكولن : بيج كريج وكرستيان بيلي. كريج كان في المارينز سابقا وقد اخبرني بأنه امضى وقتا طويلا في العراق وتحدث بشكل عام عن عمل الشركة المهم هناك. حين سألته عن الامن اكد لي ان ذلك لم يكن مشكلة بالنسة لهم. كانت الشركات الاجنبية الاخرى تتحرك في البلاد بمركبات رباعية الدفع مدرعة وكأنهم يعلنون عن أنفسهم كاهداف جاهزة. ولكنه أوضح أن مجموعة لنكولن تعمل (تحت الرادار) حيث يرتدي موظفوها ازياء المواطنين المحليين وأن العراقيين هم الذين يتصدرون واجهة الشركة.
كان كرستيان بيلي من اولاد اوكسفورد مثلي ولكن في حين اني كنت اضيع وقتي في الحانات، اقام هو محطة كومبيوتر بلومبيرغ غالية الثمن في غرفته الجامعية ليضارب في البورصة بنجاح. ورغم ان بيلي وصف تدريبي الاعلامي بأنه نقطة انطلاق مهنتي الصحفية ، لكنه عرض علي فيما بعد منصبا للعمل في مشاريع مالية خاصة في واشنطن. ولكن لم يكن من طموحاتي ان اصبح محللا ماليا وهذا ما اخبرته به. كنت اريد ان اقضي الصيف في بغداد اعمل مع صحفيين عراقيين حقيقيين. قال بيلي انه يتفهم وانه سوف يتصل بي. بعد شهر وفي حزيران قيل لي اني فزت بوظيفة متدرب اعلامي.
أخذتني الطائرة عبر الاطلسي لمقابل رئيسي في العمل. في قلب مدينة واشنطن كان مقر شركة مجموعة لنكولن فوق محل خضروات هندي في شارع "ك"  وكانت ثمة لافتة صغيرة على المبنى تنص "على ضيوف مجموعة لنكولن/عراقكس في الطابق العاشر اعلان وصولهم مقدما"في الطابق العاشر، كان عمال كهرباء يركبون انوارا في بعض الغرف في حين كان اخرون يرتدون ملابس رسمية يتحدثون خلف حوائط زجاجية. اخبرتني رئيسة قسم الموارد البشرية والتي تم تعيينها حديثا بابتسامة متعبة بأن الأمور كانت تجري مؤخرا بجنون.
بيج كريج
اطل بيج كريج برأسه ليراني وانا املأ اوراق العمل في غرفة انتظار صغيرة. صافحني بقوة وتمتم شيئا مثل "مرحبا على ظهر السفينة" كان رياضي الجسم وشعره قصير ومرتب ويرتدي بنطلونا خاكيا ضيقا وقميصا مما يلبسه العسكر. وهو يغادرني كان يبدو من مشيته انه قوي الشخصية يتحرك بهدف. اما بيلي
فقد كان على عكسه يحمل وجه طفل وضئيل الجسم وكان شعره البني مقصوصا على طريقة بيل غيتس. وفي مكتبه ثرثرنا حول اوكسفورد . اخبرني بأنه درس الاقتصاد والادارة في كلية لنكولن. وحين سألته اذا كان اسم كليته هو الذي ألهمه اسم الشركة الجديد، هز كتفيه قائلا "تقريبا" ولكنه قال ان مجموعة لنكولن تتوسع بسرعة وانها تقدم فرصا لا تصدق للشباب الأذكياء من امثالي:وان هناك خيارات عمل في البورصة متوفرة للموظفين بعد ثلاثة اشهر وربما افكر ان ابقى معهم بعد الصيف. لم يكن كرستيان بيلي قد زار العراق بعد. رغم انه خطط لذلك  عدة مرات ولكن كان دائما يحدث شيء يشغله في واشنطن.
كرستيان بيلي
كان هناك امر آخر ينبغي ان أفعله قبل سفري: ان اذهب الى معسكر بلفوار في فرجينيا لاحصل على بطاقة دخول عامة وهي نوع من جواز مرور للدخول الى كل القواعد الامريكية في انحاء العالم. وقد اكملت ملء استمارات اخرى وفي غرفة تالية وجدت ممرضة امريكية من اصل افريقي تعمل لحساب شركة كي بي آر وهي فرع هاليبرتون ، اخذت عينات مني وسحبت دما. وتندرت من الطريقة التي اتكلم بها وارادت ان تعرف المزيد عن انجلترة . ولكني حين سألتها لماذا تحتاج الى نسخ عديدة من اشعة اسناني، التزمت الصمت ثم قالت "من اجل ملفاتك" وهي تنظر الي نظرة سريعة ثم تشيح عني. وخلال الصمت الطويل الذي اعقب ذلك فهمت. إذا احترق الجسد حتى يستحيل التعرف على صاحبه او تفجر الى اشلاء فإن مطابقة الاسنان هو الطريقة الوحيدة الباقية للتعرف على شخصي.
عندها فقط ادركت اني سأخاطر بحياتي من اجل أشخاص تعرفت عليهم لتوي ومن اجل شركة لا اعرف عنها الا القليل مع راتب ضئيل لن يزيد على 1000 دولار في الشهر، وحين توسلت اليهم ان ينهوا تدريبي العسكري الذي يستغرق ثمانية ايام حتى استطيع ان اصل الى بغداد بوقت اقصر، كانت الشركة على اتم الاستعداد لتلبية طلبي، وقيل لي "سوف يوفر علينا المال حيث وصولك اسرع الى هناك يعني حصولنا على عمل اكثر منك"
حينها كنت سألغي المغامرة لولا أني كنت اتطلع لانطلاق مسيرتي المهنية وقد بدأت أرى نفسي اتحدى اخطار العراق من اجل خبر جيد واحببت ان يراني الاخرون بهذه الصورة. قبل وقت قصير من سفري الى امريكا كنت قد زرت شقيق اصغر لي في سكتلندة وقال انه فخور بأني ارغب في مجابهة اخطار حقيقية في سبيل مهنتي (ايضا كان يشعر بالراحة اني لم اتحول الى صيرفي استثماري آخر مثل الكثير من خريجي اوكسفورد) وحين ذهبت مجموعة منا الى مطعم في ادنبرة ذات مساء، جلست  الى جانب فتاة جميلة نصف ايطالية كانت قد تخرجت لتوها من الجامعة ايضا. وبعد احدى وجبات الطعام سألتني عن خططي لعطلة  الصيف وبدأت احدثها بحماسة عن رحلتي  الوشيكة. قلت لها اني احتاج الى معرفة إذا كنت استطيع النجاة في بيئة مثل العراق التي كانت في حينها مركز الكون لهذا النوع من الصحافة التي اود ان امارسها، ورغم خطورة العمل لكنه كان ضروريا ليعرف الناس في الوطن الوقائع المؤلمة في اطراف الارض البعيدة. مالت نحوي وعيناها تتسعان بالاهتمام وحين انهيت كلامي همست لي "هذا شيء مثيرللرغبة"
وصلت الى مطار بغداد في 7 تموز بعد انتظار حقائبي في عمان لمدة اسبوع تقريبا. كان اناس يتصايحون عند سير استلام الحقائب مثل مرشدين سياحيين طالبين من موظفي كي بي لآر التجمع في موقع واحد، في حين كان اخرون يحملون لافتات فوق رؤوسهم مكتوب عليها اسماء شركات امن متعددة ، طالبين من رجال موشومين التجمع . ولكني لم ار شخصا للترحيب بي. وحين فرغت الصالة لاحظت رجلا  وامراة يتسكعان قرب باب الخروج. اتجهت نحوهما وسألتهما اذا كانا في انتظار وليم ماركس. اجابا بالايجاب وصافحاني ثم قاداني بصمت الى خارج المطار والى المقعد الخلفي في سيارة قديمة.
في الطريق القصير الى قاعدة فكتوري  القريبة من المطار وهي ابنية سابقة الصنع في احد قصورصدام حسين، وقع نظري على اول قصر ضربته القنابل. كانت قبته منهارة ولم يبق منها سوى قضبان حديد نافرة بقوة نحو السماء. سألت زميلي عن عملهما قبل انضمامهما الى الشركة . قالت جينا وهي شابة بيضاء في  اواخر العشرينيات ان لديها خلفية عسكرية في العراق اما ريان والذي كان يبدو في مثل سني فقد خدم في الجيش ايضا . كانت اجابتيهما مختصرة مما جعلني اتوقف عن الاسئلة.
ما ان وصلنا الى معسكر فكتوري حتى ارسلني ريان لشراء دلاية شفافة للعنق من اجل هوية التعريف باعتباري مقاولا عسكريا . اصطففت خلف مجموعة من الجنود كلهم كانوا يحملون بنادقهم الالية وهم يدخلون حانوت القاعدة. ثم ارسلت الى سكن تريلة حيث جلست وحدي لبقية اليوم اتفرج على افلام اكشن على شاشة التلفزيون العملاقة.
حتى اصل الى الفيلا التي سوف اعيش فيها في الصيف، ايقظوني قبل الفجر ووضعوني فيما لابد كان اصلا حافلة وقد اصبح لها نوافذ مصفحة . الطريق الى المنطقة الخضراء في بغداد حيث مقر مجموعة لنكولن يعرف باسم طريق الموت بسبب عدد القوافل التي هوجمت عليه . وهكذا انطلقنا في الطريق الخطر وسط ظلام دامس تحيطنا بعض مركبات الهمر وتراقبنا المروحيات بمناظير الليل.
في الطابق الارضي في الفيلا كان هناك اربع غرف نوم وكان علي ان اتشارك في احدى هذه الغرف مع عراقي اسمه احمد. احمد الذي درس في جامعة امريكية في واشنطن كان يرتدي دائما قمصانا مبالغ في كيها وكان حليق الذقن . وبسبب انه كان يتشارك دائما في فراشه مع صديقاته البغداديات الكثيرات انتقلت الى غرفة اخرى بعد عدة ليال. رفيقي الجديد ستيف كان متخرجا حديثا وقد انضم الى الشركة لمدة سنة كاملة وكان يبدو انه يهيء نفسه لذلك. كان في معظم الليالي يشرب البيرة التي يشتريها من سوق قريبة ويظل نائما الى  مابعد الظهر في اليوم التالي.

هناك تعليق واحد:

  1. قصص حقيقية تبدو كانها خيالية ولكن وراءها عقول تفكر في استغلال بشع وسبيطرة امبريالية على ارض غنية بكل الثروات وليس لها اهل يدافعون عنها او فقدوا السيطرة عليها لضخامة القوى الناهبة كاخطبوط بالف الف يد
    وعلى الطرف الاخر شعب منهك القوى يلهث وراء لقمة العيش بعد طول حصار وحروب مفروضة افقدته القدرة على التمييز بين الحياة والموت او بين الصديق والعدو
    ولكن ليس كل ما يلمع ذهبا ولا كل من لبس بدلة انيقة سيدا فالواجهات خادعة وعليك ان تشك في كل شيء هناك لان ليس هناك شيئا يسير بالصدفة

    ردحذف